تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

55

محاضرات في أصول الفقه

جهة ، وارتضى سلوكه من جهة أخرى . ومن البديهي أن اختياره السقوط على الأول ليس من جهة شوقه إلى هلاكه وموته وإرادته له ، بل هو يكره ذلك كراهة شديدة ومع ذلك يصدر منه هذا الفعل بالاختيار وإعمال القدرة ، ولو كانت الإرادة علة تامة للفعل لكان صدوره عنه محالا ، لعدم وجود علته وهي الإرادة . ومن المعلوم استحالة تحقق المعلول بدون علته . فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه أمران : الأول : أن الإرادة في أية مرتبة افترضت بحيث لا يتصور فوقها مرتبة أخرى لا تكون علة تامة للفعل ، ولا توجب خروجه عن تحت سلطان الإنسان واختياره . الثاني : على فرض تسليم أن الإرادة علة تامة للفعل إلا أن من الواضح جدا أن العلة غير منحصرة بها . بل له علة أخرى أيضا ، وهي : إعمال القدرة والسلطنة للنفس ، ضرورة أنها لو كانت منحصرة بها لكان وجوده محالا عند عدمها ، وقد عرفت ( 1 ) أن الأمر ليس كذلك . ومن هنا يظهر : أن ما ذكره الفلاسفة ( 2 ) وجماعة من الأصوليين منهم : شيخنا المحقق ( 3 ) ( قدس سره ) من امتناع وجود الفعل عند عدم وجود الإرادة خاطئ جدا . ولعل السبب المبرر لالتزامهم بذلك - أي : بكون الإرادة علة تامة للفعل مع مخالفته للوجدان الصريح ومكابرته للعقل السليم ، واستلزامه التوالي الباطلة ، منها : كون بعث الرسل وإنزال الكتب لغوا - هو التزامهم بصورة موضوعية بقاعدة " أن الشئ ما لم يجب لم يوجد " ( 4 ) حيث إنهم قد عمموا هذه القاعدة في كافة الممكنات بشتى أنواعها وأشكالها ، ولم يفرقوا بين الأفعال الإرادية والمعاليل الطبيعية من هذه الناحية ، وقالوا : سر عموم هذه القاعدة حاجة الممكن وفقره الذاتي إلى العلة . ومن الطبيعي أنه لا فرق في ذلك بين ممكن وممكن آخر . هذا من ناحية .

--> ( 1 ) مر ذكره آنفا فلاحظ . ( 2 ) راجع الأسفار : ج 8 ص 351 . ( 3 ) انظر نهاية الدراية : ج 1 ص 169 . ( 4 ) انظر الأسفار : فصل 15 من المنهج الثاني ج 1 ص 221 .